الشيخ محمد رشيد رضا

132

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أفضل من الأنبياء وأعلم باللّه تعالى ، ومنهم من ادعى رفع التكليف عمن بلغ مقاماتهم في المعرفة ، بل منهم من غلا في وحدة الوجود إلى ادعاء الربوبية للبشر والبقر ، والحجر والمدر ، وما يستحي أو يتنزه قلم المتدين الأديب عن ذكره - وإلى عدم التفرقة بين موحد ومشرك ، ومؤمن وكافر ، وبر وفاجر وعادل وجائر ، وطيب وخبيث ، ولا بين نافع وضار ، وطهور ورجس . ويستدلون على عقائدهم أو مزاعمهم بالآيات والأحاديث ، بضروب من التأويل ، وقد قال بعضهم : عقد الخلائق في الاله عقائدا * وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه ولم يقع من فرقة تأخذ بظواهر نصوص الكتاب والسنة من غير تأويل ولا تعطيل ، ولا تشبيه ولا تمثيل ، في مثل هذا الضلال البعيد ، فهؤلاء الظاهرية ومن يسمونهم غلاة الحنابلة من أقوى المسلمين ايمانا ، واصحهم اسلاما ، وما رموا به من التشبيه والتمثيل الذي نفاه النص والعقل ظلم سببه التعصب المذهبى فإذا كانوا يثبتون للرب تعالى كل ما أثبته لنفسه في كتابه ، وأثبته له رسوله فيما صح من حديثه ، حتى فيما يفوضون كنهه اليه تعالى للاعتراف بأن عقولهم لا تحيط به ، فهل يعقل أن يثبتوا له ما نفاه عن نفسه بقوله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) وهو مما يعقلونه ولا يعقلون ضده ؟ كلا ان تعصب أصحاب النظريات الكلامية من المعتزلة ومن يقرب منهم من متأولة الأشعرية هم الذين افتأنوا عليهم بما ألزموهم إياه مما نفوه من لوازم ما صح في الكتاب والسنة من علوه تعالى على خلقه ، واستوائه على عرشه ، وكونه ينزل إلى سماء الدنيا ويحب ويبغض ويضحك الخ مع استصحاب نص التنزيه ، فهم لا يرون فرقا بينها وبين كونه يسمع وينصر ويتكلم ، وكذا يعلم ويريد ويشاء ويقدر ، فكل ذلك مما يطلق على الخلق والخالق مع انتفاء التشبيه ، وانما ذنبهم عندهم أنهم لا يستعملون نظريات أفكارهم في التحكم بتأويل هذه النصوص ، ولم يكلف اللّه تعالى أحدا من خلقه هذه النظريات الفلسفية الكلامية ، وانما كلفهم الايمان بجميع ما جاءهم به رسله ( ص ) وأصل الدين الذي بعث اللّه تعالى به جميع رسله إلى خلقه هو أن يعبدوا اللّه تعالى وحده ولا يشركوا به شيئا من خلقه ، وأن يعبدوه بما شرعه لهم دون غيره ، إذ ليس لغيره أن يشرع شيئا من الدين بدون اذنه . فاللّه تعالى قد شرع